الصوفية إحدى أهمّ الطوائف في تركيا وعنصر أساسي في اختيار الحكم والسياسة، فإن كنت ترغب بزيارة تركيا للسياحة أو العمل فننصحك بالتعرف على السكان المحليين والجماعات التي سوف تتعامل معها، ولذلك نقدّم لك المقال التالي للتعرف على الصوفية التي يتبعها أكثر من 90% من المواطنين في تركيا. فمن هم الصوفين؟ وما دورهم السياسي؟ وما هي أهمّ فروعهم في تركيا؟

تاريخ الصوفية في تركيا:

ساهمت الصوفية بدور رئيسي في اختيار الحكم والسياسة التركية، ابتداءً من فترة الاحتلال العثماني وحتى اليوم. ولم يقتصر عمل الصوفيين ضمن التكايا الصوفية والمساجد، بل توسّع ليصل إلى حكم السلطنة العثمانية والسلطة السياسية في تركيا. ومن أبرز الأمثلة على وصول الصوفيون إلى السلطة في عهد العثمانيين هو الشيخ "آق شمس الدين" الذي احتل مكانة سياسية هامة آنذاك. كانت العلاقة وطيدة بين الصوفيين والخلافة العثمانية، وقّلما حدث توتّر بينهما، وظل الحال حتى عام 1924 حين أعلن "أتاتورك" فضّ الخلافة وإلغاء المنظمات الإسلامية في تركيا. ونتيجة لذلك اندلعت بعض الثورات الإسلامية على يد الصوفيين وعلى رأسهم أتباع الطريقة النقشبندية الصوفية بقيادة الشيخ "بيران كردي"، ولكنّ ثورتهم فشلت. وقد اتّهم الجماعة النورسية بقيادة الشيخ عيد الدين النورسي بدعمهم لثورة الشيخ بيران كردي، على الرغم من موقفهم الحيادي، وتعرّض الشيخ سعيد الدين للتعذيب والسجن والنفي خارج تركيا. ومع استمرار محاربة الصوفية من قبل أتاتورك في تركيا - الذي كان يرى أنّ الطريق الأفضل لنمو الدولة هو الحضارة وليس التشدد الديني - تابعت الجماعات دعوتها سرّاً حتّى منتصف القرن العشرين. حينها عملت الجماعات الصوفية على دعم الحزب الأقل عدائية لهم، وهو الحزب الديموقراطي، وعندما فاز قائده "عدنان مندريس" برئاسة الحكومة دعمهم وساهم في عودتهم إلى المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية. في السبعينات ظهر "عبد الله غولن" من شيوخ الجماعة النورسية، والذي عمل على زيادة مشاركة الصوفية في الواقع الاجتماعي والسياسي في تركيا. فعمل على إنشاء المدارس التربوية والوسائل الإعلامية وتوسع نشاطه إلى خارج حدود تركيا. كان لجماعة "عبد الله غولن" دوراً أساسياً في إنهاء سيطرة العلمانيين ووصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم بقيادة رجب طيب أردوغان. وعلى الرغم من ذلك نشبت بعض النزاعات بين الطرفين والتي استمرت لسنوات، وقد اتّهم أتباع عبد الله غولن بتدبير الانقلاب الذي حدث عام 2016. وتسعى الأحزاب السياسية التركية اليوم على كسب دعم الجماعات الإسلامية لتحقيق مكاسبها والوصول إلى السلطة.

طرق الصوفية في تركيا

تضمّ الجماعات الإسلامية في تركيا ما يزيد عن 30 تشكيلاً تتوزّع في مختلف المحافظات التركية. وتشترك هذه الجماعات الصوفية الإسلامية بدعوتها إلى الإسلام ومحاربة العلمانيين في تركيا، ويبلغ عددها أكثر من 30 مجموعة وطريقة، وأشهرها:

الطريقة النقشبندية في تركيا

الطريقة النقشبندية أو النقشية هي إحدى طرائق الصوفية في تركيا والتي تمتلك أكبر عدد من المؤيدين وأكبر عدد من الفروع والتشكيلات. تتدخل الطريقة النقشبندية دائماً في السياسة التركية وقد شارك أتباعها في جميع الأحداث التي اندلعت ضد عملية علمنة تركيا. عمل أتباع الطريقة النقشبندية على تعزيز حضورهم بين موظفي الدولة التركية وأساتذة الجامعات وفي جميع القطاعات خاصة في القطاع التجاري. كما عزّزت الطريقة النقشبندية علاقاتها مع الأحزاب السياسية، لا سيما الحزب المحافظ في تركيا. وسنذكر فيما يلي أشهر 4 تشكيلات وفروع في الطريقة النقشبندية نذكر:

66-3-100.jpg

النورسية الصوفية في تركيا

الجماعة النورسية هي جماعة دينية إسلامية تركز على الدعوة إلى تهذيب النفوس والالتزام بقواعد الدين الإسلامي. تأسست النورسية الصوفية على يد الشيخ "سعيد النورسي"، الذي برز نشاطه بعد انهيار الدولة العثمانية وسيطرة أتاتورك على الحكم. إذ قاوم الفكر العلماني في تركيا، وعانى من الاعتقال والتعذيب والسجن المتكرر نتيجة لمواقفه المعارضة للحكم. وقد ألف الشيخ كتاب " "رسائل النور" الذي دعا على إقامة الدولة التركية وفقاً للشريعة الإسلامية ورفض الأفكار المعادية لها. بعد وفاة الشيخ سعيد النورسي تفرّعت الجماعة النورسية إلى جماعات كثيرة أشهرها جماعة "عبد الله غولن" الذي اتّهم بالمشاركة في محاولة الانقلاب عام 2016.

66-4-100.jpg

إسماعيل آغا

تعدّ جماعة إسماعيل آغا أيضاً من أتباع الطريقة النقشبندية الصوفية، أشهر مؤسسيها هو "محمود أوسطى عثمان أوغلو" الذي أصبح قائداً لجماعة إسماعيل آغا في تركيا بعد وفاة "علي حيدر أفندي". سُميت الجماعة باسم إسماعيل آغا نسبة إلى جامع إسماعيل آغا في منطقة الفاتح في إسطنبول، إذ ينتشر أتباعها كثيراً في المنطقة. تتركز دعوة جماعة إسماعيل آغا على الخدمات الدينية والاجتماعية، إذ أسسوا المدارس الدينية ودورات تعليم القرآن الكريم، واهتمّوا بوسائل الإعلام الدينية، ووقفوا إلى جانب الرئيس رجب طيب أردوغان ضد محاولة الانقلاب عام 2016.

66-6-100.jpg

السليمانية

الطريقة السليمانية هي جماعة أسسها "سليمان حلمي توناهان"، المعروف بلقب "الأستاذ"، وتعود أصولها إلى شيخ النقشبندية "صلاح الدين بن سراج الدين". وتعدّ الطريقة السليمانية الصوفية من الطرق المعادية للنظام العلماني في تركيا. إذ كانت تعمل في مراحلها الأولى على تأسيس دولة إسلامية وإقامة نظام ثقافي تعليمي إسلامي بدلاً من العلمانية، وكان برنامجها الإصلاحي يركز على نشر ثقافة القرآن الكريم من خلال ثلاث خطوات:

66-5-100.jpg

1- تأليف كتب لحفظ القرآن.

2- نشر اللغة العربية.

3- إحياء العلوم الإسلامية مثل الفقه والحديث والتفسير.

كانت أحد أبرز نشاطات الطريقة السليمانية الصوفية تعليم القرآن الكريم في سرية خلال فترة التضييق التي تعرضوا لها بعد صدور قانون "توحيد التدريس" عام 1924 في تركيا. وكانوا ينظّمون دورات لتحفيظ القرآن في كافة المحافظات التركية، وتركّزت نشاطاتهم في محافظات منطقتي بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط. بعد قانون التعددية السياسية في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية، شارك أتباع "توناهان" وخلفاؤه في الانتخابات وأبدوا دعمهم للحزب الذي يرونه الأكثر خدمة للإسلام والمسلمين. وهذا ما جعل الأحزاب السياسية التركية تحاول كسب ود ودعم وأصوات أتباع الطريقة السليمانية. وقد اتُّهمت الجماعة السليمانية من قبل حزب العدالة والتنمية الحاكم بالتنسيق مع جماعة "غولن" خلال محاولة الانقلاب في عام 2016.

66-7-100.jpg

جماعة اسكندر باشا

تعدّ جماعة إسكندر باشا من أقدم الجماعات الصوفية أسّسها الشيخ "محمد زاهد كوتكو" الذي كان يشجع أتباعه على المشاركة في الأنشطة السياسية وكان من أبرز المعارضين للعلمانية في تركيا. أثرت جماعة إسكندر باشا في تشكيل شخصيات بارزة في المشهد السياسي التركي، ومن بينهم الرئيس التركي السابق "تورغوت أوزال"، والبروفيسور "نجم الدين أربكان". تتميّز جماعة إسكندر باشا عن باقي جماعات الطريقة النقشبندية بسعيها إلى التوازن بين الحداثة والتقاليد القديمة، وتتحدث مقالاتهم عن الانسجام بين تعاليم الدين الإسلامي والحداثة.

66-1-100.jpg

الطريقة القادرية الصوفية في تركيا

تعدّ الطريقة القادرية واحدة من الطرق الصوفية التي تضمّ فروعاً كثيرة، ومن بينها "تركيا المستقلة" و"الغالبية" و"التلوية" و"المحمدية". ينتمي فرع "الغالبية" إلى "غالب حسين كوغلو "، أما فرع "المحمدية" فيتبع "محمد أوستا أوغلو"، المعروف بـ "الشيخ سيد"، ويتبع أنصار "التلوية" الشيخ "سلطان ممدوح". أمّا فرع "تركيا المستقلة" فقد أسّسه "حيدر باش" ويستقرّ أتباعه في ولاية طرابزون التركية. يُنسب اسم الطريقة القادرية الصوفية إلى الشيخ "عبد القادر الجيلاني"، وينشط أفرادها في عدة ولايات في تركيا، وتحتفظ بالتقاليد النقشبندية والمولوية. وتعد الطريقة القادرية ثاني أكثر الطرق الصوفية انتشاراً بعد الطريقة النقشبندية.

66-8-100.jpg

الطريقة المولوية الصوفية في تركيا

تعدّ الطريقة المولوية من الطرائق الصوفية القليلة التي نجحت بالانتشار إلى خارج الحدود التركية. تُنسب الطريقة إلى "جلال الدين الرومي" الذي يناديه أتباعه باسم "مولانا" أو اسم "مولوي"، وهو من أشهر الشعراء الصوفيين، عُرف بتصوّفه وتقرّبه من الله. "جلال الدين الرومي" فارسي الأصل لكنّه هاجر منذ طفولته إلى مدينة قونيا التركية واستقر فيها. كان يدرّس الفقه والشريعة، ولكن بعد ما قابل معلّمه "شمس الدين التبريزي" ترك الفقه وتوجّه إلى التصوّف. ومن أشهر مؤسسي وشخصيات الطريقة الصوفية المولوية في تركيا وخارجها نذكر "جلال الدين الرومي" و"حسام الدين الحلبي" والشيخ "شفيع المولوي" والشيخ "محمد الباقر الشلبي". تؤمن الطريقة المولوية بوحدة الأديان المسيحية والإسلامية واليهودية مع ميل واضح نحو علي بن أبي طالب وآل البيت، وتدعو على التصوّف وترك علم الشرع والفقه. وقد ارتبط اسم المولوية أيضاً بالرقص، لا سيما الرقص الدائري إلى جانب الموسيقى والأناشيد، إذ يعتبر أتباع الطريقة المولوية أنّ الرقص وسيلة للاتصال مع الله.

66-9-100.jpg

الطريقة الخلوتية الصوفية في تركيا

إحدى الطرق الصوفية المنتشرة تُنسب على الشيخ والإمام "محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي". جاءت كلمة الخلوتي من "الخلوة الصوفية" إذ كان يتمّ تعليم أتباع الطريقة عن طريق الخلوة والتأمل. تضمّ الطريقة الصوفية الخلوتية فروعاً كثيرة تنتشر بشكل رئيسي في إسطنبول، وتتوزّع أيضاً في باقي مدن تركيا ومن بينها أنقرة وبورصة وأفيوم وبولو. وهكذا نجد أنّ للصوفين أثر كبير في السياسة التركية منذ منتصف القرن الماضي وحتى اليوم، ولهم دور أساسي في وصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة في تركيا، وتسعى الصوفية للحفاظ على دورها السياسي والديني في تركيا لا سيما مع الدعم الشعبي الكبير وانضمام الكثير من المسلمين ودعمهم لها.